الصورة إن حكت: 75

Posted: نوفمبر 27, 2016 in حكايا الصورة

عنوان الكتاب: Stanford Studies in Middle Eastern and I : Digital Militarism : Israel’s Occupation in the Social Media Age
الكاتب: Kuntsman, Adi, Stein, Rebecca, Adi, Kuntsman

الناشر:Stanford University Press
سنة النشر: April 2015
pid_23022-1
هل يمكن أن يتحول تصوير “السلفي” عنواناً للحرب؟
هذا ما يحاول كتاب “النزعة العسكرية الرقمية” ، الاحتلال الاسرائيلي في زمن التواصل الاجتماعي” الإجابه عنه وهو يفتش في أشكال التعدي والعنف التي تسللت إلى هذه المنصة الجديدة في سنوات المواجهة التي شهدها قطاع غزة مع المجتمع الاسرائيلي، وفي أشكال المواجهة التي انتهت إليها مواقع التواصل بين الطرفين المتنازعين، وذلك من خلال توظيف الخطاب الايدلوجي عبر هذه المواقع، والاستثمار في معطيات وتسهيلات هذا اللون من التواصل.
مجموعة من الباحثين وجدوا أنفسهم في مؤتمر أكاديمي عام 2009م، بعيد الاجتياح الاسرائيلي الدموي لغزة، لينهض عندهم السؤال المشترك حول الكيفية التي ستغير فيها تقنيات التواصل والميديا الحديثة في حقل اللعب السياسي لاسرائيل واحتلالها العسكري وعلاقة بالشرق الأوسط.
بدأت الكتابة في هذا الكتاب في لحظة “اليوتوبيا الرقمية” حيث المتظاهرون بكاميراتهم وحساباتهم في الفيس بوك يملأون الشوارع في تونس ومصر، في الوقت الذي تشاغل الباحثون والدارسون في فهم هذا الحضور المؤثر لوسائل التواصل في التغيير السياسي بكثير من الحماسة، قبل أن تخبو لاحقاً وتتحول إلى لحظة من لحظات النقد.
التدخل العسكري في غزة كان فاتحة لهذا التداخل بين السياسة والميديا الحديثة، وبالتحديد السياسة في وجهها العسكري داخل اسرائيل، فمن هناك بدأت ملامح العسكرة الرقمية تظهر في سلوك المستخدمين الاسرائليين والحكومة الاسرائيلية، حيث الجنود بهواتفهم الخلوية يرصدون لحظاتهم عبر الانستغرام، صور شخصية، ابتسامات، جنود يركبون الحافلات، صور مختلفة تصف الاعتيادية في يوميات الجنود الذين يتحضرون للهجوم، مع استخدام متكرر لفلاتر التجميل المتاحة في التطبيق، فيما يشبه محاولة التجميل لصورة الحرب، فنحن نرى الجنود لكننا لا نرى المعركة، أجساد ممتلئة بالجمال والحياة ولا شيء فيها من الأوساخ والدماء.

ترافق الاستخدام الكثيف للميديا الحديثة مع الضربة الجوية لحماس في قطاع غزة في عام 2012م، كان لافتاً استخدام الحكومة الاسرائيلية لتويتر وباقي المواقع الاجتماعية كمنصة للحرب، عبر الحسابات الرسمية، وعبر دفع الناس للتأييد والمشاركة الطوعية في الدعم من خلال تويتر والفيس بوك واليوتيوب، حتى باتت أفعال اللايك والشير لهذه الصفحات والحسابات بمثابة الدعم للجهود العسكرية، بعناوين من قبيل: “اسرائيل تحت النار”، “شارك الصفحة مع الآخرين إن كنت توافق على حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها”.

كان واضحاً الإزاحة التي جرت على مستوى العسكرة الرقمية، لجهة المشاركين والفاعلين فيها من مختلف الأطياف والأعمار في المجتمع الاسرائيلي، ولجهة اللهجة التي تصعدت وأصبحت أكثر راديكالية في تعبيرها، ودعمها لعنف الدولة، حوادث كثيرة ستكشف عن التمثلات الجديدة لما يسميه الكتاب” الأسرار العامة”، وهي تلك الأشياء التي يعرفها الشارع لكنه يخفيها، يفهمها جيداً لكنه يحميها، وفي مقدمتها العنف الرسمي، صورة الجندية إيدين ابيرغل وهي تلتقط سيلفي بمعية أسرى فلسطينيين معصبي الأعين ومقيدي الأيدي لتنشرها لاحقاً في الفيس بوك مكتوباً عليها “بأنها أفضل أيام حياتي”، هذه الصورة ستكون محطة اختبار لتلك الأسرار العامة حيث المحاولات لتبرير هذا السلوك الذي لا يراد أن يكون عنوانا للخطيئة، فهي برأي الذين اندفعوا للدفاع هي شيء آخر لا صلة له بعنف سلطة الاحتلال.
الصورة التي لم تحمل الجديد في محتواها باعتبارها ممارسات تتكرر على أرض الواقع، حملت في المقابل السجالات التي تجري على الأرض إلى الفضاءات الإلكترونية، حملتها إلى تخوم التبرير والتضامن، وتحويل القضية من نقاش حول عنف السلطة إلى نقاش حول الأمن المعلوماتي، وتحصين الجنود من هذه التسريبات عبر تشريع قوانين تمنع نشر الصور من مواقع العمليات، فالمسألة عبر هذه الإزاحات تحولت من نقاش حول الفلسطيني ضحية الاحتلال إلى الضحايا الاسرائليين الذين انتهكت خصوصياتهم عبر الفيس بوك، فالخطأ بالتالي هو نشرها في النت فقط!.
ستكرر حملات التضامن في صور شبيهة أخرى، فبعد مشهد الفيديو الذي يظهر فيه جندي اسرائيلي يدفع ويركل شاباً فلسطينياً، عمدت الحكومة إلى إبعاده عن الجيش، فتضامن معه الجنود الآخرون، وانطلقت مجموعات على الفيس بوك للتضامن، ومظاهرات في صورة صور “سيلفي” ضد الاستبعاد أو العقاب، فيما يوحي بوجود رغبة واستعداد لدى الشارع الاسرائيلي للتماهي مع صورة العنف العسكري.

سيلفي الانتقام سيتصدر الواجهة مع بداية الحملة العسكرية على غزة في 2014م، حيث سيعمد الاسرائيليون لاستخدام هذا الوسم لنشر صورهم المؤيدة للهجوم على غزة، ومعها ستتصاعد اللهجة من مجرد الانتقام إلى الدعوة لقتل الفلسطينيين، تلك الصورة ستختصر هذا التداخل القائم بين الصور العادية والعنف، لتأخذ العسكرة الإلكترونية مديات جديدة فيها من البروبوغاندا العسكرية والتغريدات العنصرية، والاحتفاليات العلنية لمقتل الفلسطينين، والصور السلفي بتأثيرات جمالية للجنود.

الصورة إن حكت: 74

Posted: سبتمبر 18, 2016 in حكايا الصورة

الإيموجي …المعلبات الشعورية
14258310_10208154601115006_372991408622981568_o
من شرفة اللغة الجديدة يخاطب الناس بعضهم البعض وهم يرممون في كل مرة المبنى العاطفي للنص عبر الوجوه والعلامات التي تعارفوا عليها ضمن قائمة الإيموجي، كلما عبروا للضفة الأخرى انتابهم قلق من أن لا تصل الجملة بكل حمولتها الشعورية، فيبحثون عن أثر عاطفي يسكن في عالم الإيموجي، يكتب الواحد منهم صباح الورد ويضع بجوارها صورة وردة حمراء كنوع من التشديد على العاطفة الجياشة التي تنطلق مع الجملة، فيرد الآخر صباحك قهوة تاركا لنا كوب قهوة ساخن، لا يشبه إلا المحسنات الجمالية والزخارف اللغوية!..
أمام وسائل التخاطب التي مكنتنا من الحضور في لحظات الغياب، غياب الصورة الحية وتجلياتها، صارت الوجوه والرسوم المستعارة خياراً فاتناً لرسم ملامحنا العاطفية، يخفف عنا عبء الوصف والشرح، وكتابة أشياء طويلة لا تسمح بها شروط اللعبة/اللغة الجديدة، لن ينتظر أحد منكم أن تقول له بأنك تبتسم الآن جوابا عن نكتة أرسلها، لأن الإيموجي أتاح لك خارطة من المشاعر التي يمكن أن تنتقي أي محطة تركن إليها، من الابتسامة الرهيفة، إلى الضحة الدامعة!، اختصارات تتيح لك أن ترصد أحوال الطقس في داخلك، وترسله في صورة شديدة الاختزال.
وكما أن للتخاطب فنون ومهارات، فإن لاستخدام هذه الصور والرموز مهاراتها هي الأخرى، وكلما ازداد عددها -والذي يقارب الألفي صورة حاليا- ازدادت الحاجة للتمرس عليها، والتعايش معها، فقد أصبحت واقعاً يؤطر أشكال حضورنا الإنساني في وسائل التواصل الاجتماعي…هي كالتوابل اليوم في محادثات الشبكة والهواتف المحمولة، غير أنها ليست في منأى من مشاكل التوصيل والتمثيل، ستستغرق وقتا وأنت تتمقل في القائمة بحثا عن وجه ملائم للجواب عن جملة باردة، أو ساخنة، وقد تجيب بنحو ركيك، كطالب بليد في درس القواعد اللغوية!.
ولأني من الذين لم يتكيفوا تماما مع رموز الإيموجي حاولت مرات إقناع الأصدقاء بالعودة للكتاب الخطية، والتراسل الصوتي، حتى لا أستخدم رموزا في غير مكانها، وحتى نقرأ عواطفنا عبر تماوجات الخط وموجات الصوت، كما يفترض فينا ككائنات حية، وربما أنجح يوما في إيجاد جماعة مناهضة للإيموجي باعتبارها محاولات لتعليب مشاعرنا!.

الصورة و آفاق التعبير الفني..موضوع القراءة مثالا
 1410801016982
تقترح أرامكو السعوديى “قارئ الجمال” عنوانا لمسابقتها المخصصة للتصوير الرقمي والفوتوغرافي من أجل دعم مشروعها الخاص بتشجيع القراءة وذلك ضمن برنامجها  الثقافي “أقرأ”، فالصورة هي واحدة من الملاذات المقترحة لتسويق فعل القراءة الذي يمثل المتن في هذا البرنامج..والجمال هنا يراد منه أن يكون مضاعفا، فهو معني برصد جماليات القراءة، وجماليات الصورة معا، أي أن المصور مدعو للذهاب إلى مشهد الصورة من أجل فكرة تحيي قيمة القراءة، وتضي الطريق إلى جمالياتها.
 
الوقوف على تخوم “القراءة” سيهب الناس الكثير من الأفكار العالقة في الأذهان، والصور المألوفة عن هذا الفعل، كطفولة القراءة، وكهولتها، حكايا ماقبل النوم، والتلاوات المقدسة، قراءة الصحف، والمكتبات الممتلئة بصنوف الكتب، والقراءات الجماعية، وباقي الصور التي يحفظها الناس بالتمام، ولأننا جميعا عبرنا من درس “القراءة” سنستثمر في ذاكرتنا وصورها لإيجاد لحظة جمالية نعيد هندسها عبر مرشحات الضوء لتقف عند حدود الجمال المنشود.

في الدورات الثلاث التي خلت، جرى التمرين على هذه الصورة ومحاولة تصعيدها جماليا، فكانت الصورة الفائزة لا تذهب بعيدا في احتمالاتها، وأفكارها، حيث الرسالة الصريحة التي تسكن في عمق المشروع تدفع المشاركين للالتصاق بتمثلاتها الواقعية، فضلا عن الشرط الفوتوغرافي الذي يجعل من الواقع في معظم الوقت إطارا للاشتغال الفني..شاهدنا كهلا منكبا في القراءة في الصورة الفائزة لخالد السبت، وذلك الرجل المتسمر في طقس القراءة في زحام الطائفين في صورة عبدالعزيز البقشي، فيما تضيء خلود الخالدي الطريق إلى حضور القراءة في عالم الفقراء عبر مشهد لطفلين يتأملان في صفحات كتاب، ويدفع بنا هشام الحميد إلى مطالعة الطفولة في انغامس لافت ضمن بيئة بدائية، مفعمة بنضارة الطبيعة، في حين يتفرد حسين أبوحليقة باستخدام إمكانات التصميم لتخليق لحظة متخيلة يرتفع فيها طفل فوق طود من الكتب.

مؤكد بأن هنالك الكثير من الأفكار المشابهة لدى المشاركين من غير الفائزين خلال عمر المسابقة، غير أنه ليس من السهل الحصول على صورة استثنائية لموضوع يراد له أن يتكثف حول ثيمة واحدة، ثيمة لا يراد لها أن تبتعد ملمتر واحد عن مقاصد المسابقة، وهو التحريض على القراءة، وهذا ما يجعل من التعاطي مع الثيمة بمزيد من العمق مسألة بالغة التحدي، للفوتوغرافيين، وللقائمين على المسابقة على حد سواء، وهذا ماسيجعل من المشاركين يميلون إلى تعويض الجدة في الفكرة بالإجادة في التنفيذ، كمسوغ لمرور التجربة وصعودها في حظوة التقييم.

هناك سعة تعبيرية لمقاربة فعل القراءة فوتوغرافيا، لكنها بحاجة إلى اقتراحات جمالية لا تحبس الأفكار ضمن التصوير المباشر والواقعي، وإنما تمضي باتجاه التفكير خارج إطار الصورة التقليدية، فالعثور على رؤية جديدة تعيد استدعاء الحاجة الروحية والعلاقة العاطفية مع الكتاب، وتؤسس لمعنى القراءة وقيمتها في فضاء الحياة، يستلزم البحث عن مقاربات مفاهيمية وأخرى تجريدية، تذهب إلى جاذبية الصورة الكثيفة والمختصرة في آن، وإلى جاذبية الفكرة وإلهاماتها، وهذا يتأتى عبر اختبارات جمالية لمفردة القراءة/الكتاب، والبحث في مجازاتها ودلالاتها.

مازلت أحفظ من يوميات المسرح تلك الرغبة في دفق الفعل المسرحي بالطاقة التعبيرية اللازمة لإيصال الفكرة، عبر تكاملية اللغة والجسد والمكان، وهنا تملك الصورة أن تستحيل فعلا دراميا، عبر تهيئة الصورة بنحو مسرحي، كشكل من أشكال التعاطي الفوتوغرافي المقترح مع ثيمة القراءة، فكما يذهب المسرحي لاقتراح مشهد الإمساك بالكتاب في لحظة فتح الباب أو باب الثلاجة للتشديد على أهمية الكتاب وطبيعة التعالق العاطفي معه، يمكن للفوتوغرافي أن يهندس المشهد البصري لإيصال الفكرة بكثير من الشحن العاطفي، ليبني الصورة من داخلها، على مستوى التكوين، ومن خارجها على مستوى التأويل والتفسير.

12366223_10208492982792296_8621767580952334672_n

في كل حقل من حقول الفن والأدب، ثمة إعادة استنهاض لمجموعة من الأسئلة بين وقت وآخر، بعضها يتصل بالمبنى، وبعضها يتصل بالمعنى، وبعضها الآخر يمضي لاختبار العلاقة بين داخل النص وخارجه، وهذا بالتحديد ما تنشغل به النظريات الأدبية وهي تبحث عن منهجية لمقاربة العمل الإبداعي هذا أو ذاك.

الصورة الفوتوغرافية، كواحدة من الممارسات الإبداعية التي لا تكف عن رفع سبابتها في كل مرة للتأكيد على انتسابها لخانة الفن، لها هواجسها وأسئلتها التي يعاد صياغتها في كل مرحلة، ويعاد وفقا لذلك إعادة تقييم “السؤال الجمالي”، والذي يرسم أفق العمل واتجاهاته ضمن حقبة زمنية ما.

السؤال الجمالي متحرك بطبعه، يتصل برغبات الكائن الحي في الإبداع والتجدد، آفاقه مفتوحة على كل التحولات والمتغيرات التي يعيشها الواقع من حولنا، ومن حول الممارسين لهذه الصنعة، والصور بنحو أخص تبدو أشد اتصالا بالواقع لجهة اتصال مادتها والتصاقها بأفعال النقل والتوثيق، وهو القيد الذي يمثل تحديا للمنشغلين بالتصوير، ويحرضهم لابتكار جماليات بديلة، تزحزح الصورة من سكونها ورتابتها.

من يفتش في دفاتر التاريخ يمكن أن يلمس هذا الانتقال في مقاربة سؤال الجميل فوتوغرافيا، كثيرة هي الصور التي قد تقع عليها أعيننا اليوم من تجارب الماضي ولا تثير فينا الكثير من الدهشة، لكنها كانت في وقتها عنوانا لفتح جمالي على مستوى الممارسة..أفعال التنعيم والتلوين التي امتازت بها تجارب الثلاثينيات وماقبلها من القرن الفائت، ضمن اجتهادات مدرسة البيكتوريال، لا يمكن مقاربتها اليوم ضمن عناوين الجمال التي يقترحها مصوروا ما بعد الديجتال، هي تجسيد لطبيعة السؤال الجمالي الذي حرض هذه الطليعة من الفوتوغرافيين لمشاكلة أفعال الرسم، لإضفاء قيمة فنية للممارسة الفوتوغرافية، ومنحها جواز عبور لعالم الفن تحديدا.

اليوم نحن أمام طوفان من الصور، نقلبها بأعيننا، نغرف منها، ونضيف لها، صور تتشابه في موضوعاتها، وأشكال تنفيذها، هنالك محرضات كبرى لجعل التكرار والمماثلة هو عنوان الممارسة الفوتوغرافية اليوم، تبدأ بمنصات النشر والتواصل الاجتماعي، ولا تنتهي عند مغريات اليومي والحياتي من الصور.

في هذه التحولات لا يمكن القول بأن هنالك سؤال جمالي وحيد في متسع التجربة، نحن أمام جملة أسئلة، تطاول معنى الصورة كصورة، وأبعادها الجمالية،وأمل التجارب القائمة هو أول الطريق لاكتشاف طبيعة السؤال أو الأسئلة الجمالية التي تحرض المشتغلين في عالم الصورة، من أولئك الذين يحملون الإبداع هاجسا، على اعتبار أن الصورة والتصوير كلاهما حاضران في فضاء الناس، أي أن التصوير بحد ذاته بات ممارسة شعبية، يهبها الناس شروطها وأعرافها الخاصة، انتاجا واستهلاكا، غير أن الفارق هو في القصدية، فالمبدع يتقصد البحث عن الجمال، وإعادة تعريف معنى الجميل في بناء الصورة.

لو نظرنا إلى تجارب الفوتوغرافي يوسف المسعود على سبيل المثال، ستجد أن الإضاءة فيها هي المدخل الأثير بالنسبة له لاكتشاف الممكنات الجمالية في الصورة، يصعد من قيمة الإضاءة ليهبها عمقها الجمالي، فالضوء مفردة جوهرية في تأثيث فضاء الصورة وتدشين دلالاتها.

التنويع في توظيف الإضاءة والذهاب بها من مجرد أداة تزويغية عند الكثيرين إلى أداة تعبيرية، هو ما يفسر تطلعات المسعود المستمرة لايجاد اختبارات مختلفة لقيمة الضوء وتكنيكاته في الصورة، مستثمرا في معطيات التقنية، وفي تأثيرات الضوء الحسية والدرامية على الصورة.

12696925_10207530293591917_166649332746501550_o
في المقابل، يجهد الفنان محمد الخراري لجعل صلة الصورة بالواقع موضعا للاشتغال الجمالي، أي أن مادة الصورة وإيقاعها ستتطور وفق هذه الرغبة التي ستحرضه للالتحام بالحياة اليومية، واستلهام التكوينات البصرية للمكان والتي ستغدو عنصرا فاعلا في بنية الصورة، الصورة التي يجري تصميمها وفق موقف فوتوغرافي منحاز لخزين المكان البصري، وما فيه من تجليات لأفعال الناس.

طبيعة الهواجس الفنية في هاتين التجربتين رسمت حدود العمل واتجاهاته، كما رسمت ملامح السؤال الجمالي الذي تتحرك من خلاله، فالتجربة الأولى أميل إلى مساءلة شكل الصورة وبنائها، فيما الثانية لديها رغبة معلنة في تطوير متن الصورة، ومساءلة البعد الاجتماعي والثقافي للصورة، وهذا ما يسمح بانتاج جماليات بصرية مختلفة، تستمد فرادتها من تصعيد سؤالها الجمالي عبر التجربة.

خواطر من يوميات المصور الأمريكي Bert Seal *

unnamed-3

كثرة من المصورين الأجانب مروا من هنا، وجمعوا لهذه المدن المطلة على الساحل صورها البكر، رصدوا بها التحولات والولادات ، البدايات والنهايات، لحقبة ما قبل النفط وبعده، باب أرامكو كان الباب الأول للصورة الأكثر كثافة، والأكثر حياة، ولأنها ابتدأت مشوارها كشركة معنية بالنفط وبحياة الناس من حوله، وجدت كاميراتها مساحة أوسع للحراك وهي توثق مجريات الصناعة والحياة اليومية في شرق الوطن.

بيرت سيل “Bert Seal” هو واحد من الذين تركوا شاهدتهم في إرشيف أرامكو ومضوا، غير أنه مازال حياً، ومازالت ذاكرته تفيض بأخبار أول مختبر حياتي حقيقي مع الصورة.

كانت البداية كما يحدثنا مع كاميرا لايكا، اشتراها يوم انضم لمدة عام مع الجيش الأمريكي المتمركز في ألمانيا في عام 1953، كانت يومها الكاميرا الأفضل من فئة 35 ملم، وهبته الكثير من المتعة على حد قوله، وهو يلتقط الصور معها، وحين غادر الجيش التحق بمدرسة التصوير في مدينة نيويورك . كان النهار منذورا للعمل في صناعة الأقفال، فيما المساء الفسحة الأجمل لدراسة التصوير بالمدرسة، الصدفة هي من قاده إلى أرامكو، يوم التفت على غير قصد لإعلان عن حاجة شركة أرامكو لمصور، فتقدم بطلب الحصول على الوظيفة في المكتب الرئيسي لأرامكو الواقع في مدينة نيويورك آنذاك..المصور الذي لم يعرف التصوير مهنة بعد حمل معه عددا من الصور التي يحتفظ بها في المدرسة وصور أخرى ، تركها على طاولة أرامكو، لينال معها الحظوة والإعجاب فتكون فاتحة العلاقة والوظيفة مع أرامكو والتي ابتدأت في منتصف مايو من عام 1955.

عمل يومها مصورا لإدارة العلاقات العامة وكان فيها أربعة من المصورين يترأسهم المصور توم والترز ” Tom Walters ” فيما كان إثنان منهم من فلسطين وهما خليل نصر وخليل الرصاص، وهذا الأخير استقال في السنة التالية لتوظف بيرت وحل مكانه أنتوني ” V.K. Antony ” من الهند، كان بيرت هو الآخر يومها بديلا للمصور واوين واكلسي ” Owen Oxley ” الذي استقال بعد خمس سنوات من العمل مع الشركة.

أمضى بيرت قرابة الخمس سنوات ثم غادر ليحل مكانه بيرني موودي الذي أصبح رئيس وحدة التصوير في ما بعد، عاد بعدها في عام 1982 ليمضي ستة أشهر في مهمة خاصة، عبر عقد مقاولات، وذلك للمساعدة في التحضير لاحتفالية مرور خمسين سنة على تأسيس الشركة.

تعددت المهام الفوتوغرافية خلال الفترة التي قضاها في السعودية، ما بين التصوير الصناعي وحياة الناس، قدم فيها الكثير من التغطيات وخص في الجانب المهم منها حملات الاستكشاف في الربع الخالي، ولقاءات وزيارات الملك سعود في الدمام والرياض..هذا التنقل أتاح له اكتشاف لتنوع الثقافي بين المدن، وهو يتذكر الهفوف و القطيف، ويتذكر عوائل البدو التي أتيح له فرصة قضاء بعض الوقت مع معهم بالقرب من عين دار..وجدهم يتحدثون بكثير من الاعتزاز عن أصالتهم، يروي بيرت، يتحدثون عن أنفسهم باعتبارهم العرب الأقحاح بينما يستصغرون أولئك الذين يعيشون في المدن.

ثمة وجوه تركت آثارها في مشواره الفوتوغرافي، فهو يشير بكثير من الحب للمصور توم والترز، رئيس وحدة التصوير آنذاك، و الذي كان له كبير الأثر في أعماله الفوتوغرافية، ويستعيد بكثير من الفخر احتكاكه بالفوتوغرافي الشهير روسل لي ” Russell Lee “، والذي زار الظهران في الفترة ما بين 1956 و 1957، أقام خلالها لمدة أسابيع موثقا لأعمال الشركة وحياة الناس في الخبر، وذلك لصالح التقرير السنوي للشركة وعدد آخر من مطبوعاتها..وفي هذه الإقامة كان المساء الفسحة الأجمل للتعلم من هذا العلم كما يروي بيرت، وتبادل الرأي حول الصورة وشئونها.

عندما عاد بيرت إلى الولايات المتحدة كان يملك استوديوا خاصا بالتصوير التجاري ، أداره لأربعة سنوات، قبل أن يقرر الانتقال للعمل بمكتب التعليم بمقاطعة سان دييغو كمصور محترف.

*هذا ملخص حوار جرى عبر رسائل البريد الإلكتروني خلال عام 2015

dates3

untitled

unnamed-6

unnamed-5

الصورة إن حكت: 69

Posted: أبريل 6, 2016 in Uncategorized

Screen Shot 2016-04-06 at 5.50.12 PM

ما الذي يعنينا في صور الماضي التي يتداولها الناس بكثرة هذه الأيام؟

الذين جعلوا من أرشفة الصور القديمة هواية لهم في الزمن الماضي كانوا يطمعون بأن يحملوا شهادتهم البصرية للأجيال اللاحقة، أو في أقل التقادير أن يحفظوا لأنفسهم لحظات يأنسون بتذكرها حين لا يصبح لهم نصيب من الوقت كما كان، الأحداث الصغيرة تبقى صغيرة أيضا داخل الصورة، لكنها تصبح عبر تعاقب الزمن دفترا مفتوحا على لحظة سيالة بعواطفها وانفعالاتها وكل ذكرياتها لأهل الصورة ذاتها.

ملامسة اللحظة الماضية عبر الصورة لا يشبه بالطبع ملامستها عبر الشفاهيات والمدونات التاريخية، هنا قواعد اللغة والخط والبلاغة ترسم حدود الحدث، فيما خطوط الصورة وألوانها وتكوينها ومنظورها تتقدم هناك في البناء البصري لهذا الحدث، في الصورة نتوهم المزيد من الحرية في مطالعة تفاصيلها، في الحركة بين أضلاعها، والحرية في وصفها وموضعتها في سياقات الكلام.

وإذا كانت الصورة جملة بصرية قائمة بذاتها، فمن المؤكد بأنها جملة مفتوحة على اتساع التأويلات، والثرثرات، لأن طبائع التذكر وأشكال الاستجابة للصورة الواحدة متباينة بين الناس، هذا ما يحدث حين يصبح استنطاق الصورة فعلا جماعيا، بين مجموعة يحاول كل واحد فيها صقل المعاني التي يريد في مرايا الصورة..سيصغي كل واحد منهم على طريقته لوشاية الضوء داخل الصورة، وسيحاول اختصار المسافة بينه وبين اللحظة التي ترشحت عنها الصورة..تصبح الصورة القديمة حفلة استذكار لها القدرة على استنهاض طبقات الذاكرة داخل الصورة، وهي طبقات لا يمكن الجزم بوجودها داخل الصورة بقدر وجودها داخل التجربة التي يحياها الناظرون للصورة.

هل نبحث عن الماضي في الصورة أم عن شيء أكثر شبهنا بحاضرنا؟

سؤال يتصل بذاتية القراءة التي تدفع لها الصورة، هذا الحوار المتبادل مع الصورة عبر النظرات يُلبس الصورة معاطف اليوم، مزيجا من مشاهدات الماضي وهواجس الحاضر، وكل الذي علق بأفكارنا في هذه المسافة الزمنية التي تفصلنا عن زمن الصورة، كثيرا ما تسترخي عضلاتنا ونحن نعمق النظر في صورة نحسب بأننا جزء من لحظتها، ماضيها، لنبدأ برسم الكلمات حولها بنحو يجعلها تستوطن أوجاع الحاضر، هذا ما يفسر التنهيدات الطويلة التي يتركها الناس على صور الماضي، يقدمون الحسرة بين يديها وهم يستعيدون بعضا من فرحهم أو قلقهم، لا فرق، فتحت ظل الصورة وجع شفيف يصنعه الخوف من الوقت الذي غادرنا ولم يبق منه إلا هذا الأثر!.

اليوم تتسع فضاءات النت لصور الماضي التي يجري تدويرها بنحو غنائي واحتفائي، يركض بها الناس من مكان لآخر، يطاردونها من صفحة لأخرى، ولا ندري إن كانت هذه التجربة المثيرة لاستعادة ذاكرتنا، ذاكرة الناس والأرض، بحاجة إلى تمارين على استعمالات الذاكرة، على العودة إلى الخلف واستحضار الماضي بنحو يساهم في بناء معان لترميم صورة الحاضر، كيف لنا أن نحيل هذه الإرشيفات البصرية المتناثرة إلى محفزات لإطلاق الذاكرة وكتابتها، هل يمكن أن نعيد استثمارها كنصوص حياة، نكتب بها ما لم نقرأ، ونرصد بها ما لم نرى!.

الصورة إن حكت : 68

Posted: أبريل 4, 2016 in Uncategorized

Screen Shot 2016-04-04 at 7.48.47 PM
من الناس يبدأ وبالشارع ينتهي، هكذا هو الوصف الذي يختاره الفوتوغرافي محمد الخراري للتعريف بطبيعة انشغالاته الفنية، وصف مقتضب لكنه يختصر سيرة التحولات التي يشهدها شارع التصوير في امتداد هذا البلد، وفيها سيرة الخراري الذي وجد شهيته مفتوحة على الآخر في مقاربة حياة الناس، كما تتجلى في يومياتهم، وفي هندسة أماكنهم، وأشكال تواصلهم الإنساني.

الفنان القادم من دروس التشكيل، و أشكال الانضباط المدرسي للمصورين الكلاسيك، لا يغادر افتتانه ببهجة الألوان، وبتجليات الظل، وأسرار التكوين، وهو يقتحم هذه المساحة الجديدة التي يتصل العمق فيها بالبساطة والقدرة على السفر في تضاريس المكان والناس، يراقب دون ملل حركة الناس، في زوايا السوق، والأحياء، وحيث تنساب القصص اليومية حديثا أنيسا بينهم، يحاول أن يؤسس للون من الألفة مع المكان الذي لن يكفي الضوء وحده للكشف عن جمالياته، بل المشي فيه على مهل لاكتشاف ذاكرته.

هذه الجماليات المستبطنة في حياة الناس هي ما يحرض الخراري اليوم للتخفف بعض الشيء من الضوابط الصارمة في تنفيذ الصورة لصالح الأبعاد الثقافية والإنسانية التي تحيل العمل إلى حالة من الغنى التعبيري في قبال الجماليات التقليدية التي تجهد لموضعة الصورة في قوالب مستقرة ومنقادة للمصفوفات النظرية الموشاة برغبة الاستعراض الجمالي المحض.

مازال الخراري يختار زواياه الخاصه لاستراق النظر وكتابة نصوص جديدة بالضوء، يحيل معها حدسه الفني إلى بيانات جمالية، إلى شرفات نطل من خلالها على نبض المكان في جريان الوقت، في كل صورة ثمة دعوة للإصغاء إلى لغة الصورة الجديدة، صورة عنا ومنا وفينا، صورة تقاوم سكونها بالتحديق في مرايا المكان، كما تدعونا عبر مجاز “رائحة المكان” الذي يختاره كعنوان ووسم لتجربته إلى الامتزاج معها بكل حواسنا، فثمة حياة يمكن معايشتها عبر النظر للصورة.

يبقى أن الناس والشارع كموضوعات واسعة كاتساع البحر، وبحاجة دائما إلى إعادة صياغة ليتجسد الفعل الفني كمشروع بصري يستبطن الهواجس الفوتوغرافية الجديدة، وطبيعة الحراك الذي يعيد ترتيب العلاقة بين الصورة والحياة، فكل شيء استحال صورة بفعل الحضور الطاغي لممارسات التصوير، دون الجزم بقدرة هذه الممارسات لتحقيق استحقاقاتها الجمالية، كــأي انعطافة فنية في بداياتها، وهذا ما يمكن أن يمنحه الخراري كفوتوغرافي متمرس متى ما استثمر بصيرته في قراءة المكان.