كل الطرق تؤدي إلى الذاكرة في إرشيف الأستاذ طاهر العلي، فصفحته في اليوتيوب تروي لنا عن سيرة انغمست مبكرا في عالم التصوير، يوم كنت في قماطي مشغولاً بالبكاء كان هو يدير كاميرا سينمائية ويجول في أزقة بلدة “الجش”، يرسم معها أولى اللوحات الفائضة بأحوال الناس وسيرتهم، وجوههم وأسمائهم.

شهوة النشر والمشاركة التي جلبتها فضاءات النت جرت معها الكثيرين إلى أن يكونوا منصة للعرض، والعلي هنا يعرض من خزانته لحظات من أجواء الفرح، وطفولة الأزقة، ويوميات السوق، ومسامرات الفلاحين، يبدو واضحا من هذا الكم الذي يملكه من الذكريات البصرية أن الكاميرا لا تغادر عنقه ويديه، كل شيء يوحي بأن الرجل مشغول بالتفاصيل، وبالانفتاح على الحياة عبر العدسة، يرى بها ويرسم صورة عن بلدته الغافية في سيحاتها.

مؤكد بأن تجربة العلي ليست الوحيدة في المنطقة، هنالك حتماً من تملكتهم رغبة التصوير في بداية التحولات التي مرت في كل مدينة وقرية، هنالك من جعلوا الكاميرا صديقة للعائلة فقط، وهنالك من أحالها تحاور كل شيء من حولها، ولعل منهم من لم يزل يختار الخزانة مكاناً لهذه المحفوظات البصرية، وربما كان فيهم من لا يعرف سبيلاً لاستثمارها وتحويلها إلى مادة للتدوال بين الناس.

يجهد العلي وهو يقدم مقاطعه المعدة أن يهبها المزيد من الحياة، عبر رصد الأسماء، والتعليق عليها ضمن المشاهد التي تفقد الكثير من معلوماتها مع تباعد المسافة بيننا وبين الزمن الذي كانت فيه، يدرك جيدا أهمية استدعاء الذاكرة شفاهيا وهو يستعيد شريط الماضي، فدرس الصورة يتجلى في مقاومتها للنسيان.

مبادرة صغيرة لكنها مهمة في فضاء لا يحفل بالكثير، مبادرة تذكرنا بأن هنالك الكثير الذي يمكن إنجازه على مستوى ترميم الذاكرة، وتحويلها إلى مادة ثقافية، فكل ما يتدفق فيها من صور، ومن معلومات، يهب الناس فسحة للإطلاع على ذاكرة لم تعرفها الكتب، وهذا ما يجعلنا نأمل في أن تحظى الصورة السيالة منها والجامدة بمبادرة جادة، تدعمها مؤسسة ذات صفة اعتبارية، من أجل تحويل الصور القديمة إلى مادة ثقافية، إلى درس في التاريخ، وإلى مادة فنية ناضجة، فكل ما يجري اليوم يمضي ناحية التسلية والاستنئاس بالذكريات، تحت وطأة الحنين للماضي تارة، ورغبة المشاركة البصرية تارة أخرى.

لن تساهم الصورة في كتابة ماتيسر من سيرة المنطقة ما لم تتيسر لها فرص للتطوير والاستثمار الثقافي، ولن تنتظم الجهود المتناثرة والصغيرة ما لم تجد لها قناة تصب فيها وتتحول إلى محطة لكتابة التاريخ وصناعة المعرفة.

الصورة في وعودها السردية

بقلق القاص، يمسك أعضاء فريق “رؤيتي” بحقائب التصوير وهم يرتحلون بين الأماكن و البلدان بحثاً عن حكايا الناس، يخلعون السكون عن لحظة عابرة يخطفونها في مشهد التصوير بمثل ما يخلعون الأغطية عن عدساتهم، لا شيء يتماهى ولعبة التصوير إلا لعبة القص التي يعرفها صناع الوثائقي من الصور، والتي يتموضع المصورون الصحافيون على قمتها، هناك تقف الصورة تحديداً على تخوم السرد حيث شهوة الكاميرا مفتوحة على أقصاها لرواية كل شاردة من هذا الزمن العابر للزمن الذي يليه.
ينتخب الفريق موضوعاته كعادته من نصوص الأماكن التي يزورها، يعيد استنهاض المكان كجوهر في الممارسة الفوتوغرافية عبر الإتكاء على إشاراته في تأسيس فرادة الحكاية، مع مزيد من الانخراط في دهاليز الحياة اليومية، كما في تجربة أشرف الأحمد الذي دفعته المصادفة لأن يمضي يوماً في غرفة الطوارئ في منطقة كارجيل، ليحيل المصادفة المؤلمة إلى تجربة بصرية تذهب بنا إلى تفاصيل الألم الذي يكسو هذه الأماكن المحمولة على القلق، فالأسرة التي لا تعرف السهو في ترتيبها تفيض بالكثير من الصور لأناس لا يعرف بعضهم الآخر ربما، لكنهم يبحثون عن من يدلهم على مصادر أوجاعهم ويعالجها..هنا يفتش الأحمد في كل التفاصيل كراوٍ أمين، يسجل للذاكرة يوميات غرف الطوارئ كمكان يستيقظ فيه كل شيء.
مهدي العوى بدوره يوقفنا على واحدة من قصص الحب التي راقبها في قرية أوزبيشك في قرغيستان، ينصت فيها لجريان نهب الحب الذي لا ينضب على أعتاب الثمانينات، حيث الزوج يعود زوجته المريضة ويعينها على استعادة الحياة التي تميل إلى نهايتها، لحظات لا تحتاج من يبتكر لها المعاني، فهي دفاتر مفتوحة أمام عدسة تمجد الاحتفاء بالعواطف الإنسانية، وتأطيرها ضمن صياغة شريطية متشربة بروح السينما.
بهجة الألوان في الحقول تأخذ نديم آل صويمل ناحية الشمال الغربي من فيتنام حيث الطبيعة تتمدد كبحر أخضر طويل، ينادمها بحس غنائي وهو يدوزن هذه العلاقة الحميمية بين المزارعين والأرض، هناك فائض من حياة لا تكف الصور عن التذكير به، والتبشير باحتمالات الجمال الذي تكتنزه الصورة في لحظة عناقها بالمكان، في رومانسية منحازة لأحلام المصور وتشوفاته.
هذا التعالق مع جماليات اللون يصوغ فصول الحكاية في تجربة بدر المحروس الذي يشكف لنا عن يوميات عمال الفحم بالدمام وهم يجمعون هذا الأسود الداكن في تلك الأكياس الصفراء الفاقعة، يحصي عبر الصورة خطواتهم باتجاه التعب اليومي، في لعبة التكرار التي تصير أعمارهم قدرا مستتراً خلف أكوام الفحم، يأتي المحروس برغبة صريحة للإمساك بخيوط حكاية منسوجة من اللون والحركة، ومن يوميات كائنات لا تبالغ في أحلامها.
سيغيب هذا الزخرف اللوني عن تجربة هاشم الطويلب في راجستان، وهو يعرض لنا في قالب الأبيض والأسد يوميات الرعاة، يجردها من اللون ليصغي للتعابير وانسيالات الضوء الذي يصقل المعنى في تضاريس الصورة، ومضات متفرقة يهندس بها رؤيته لهؤلاء الناس ويعبر معها باتجاه التفاصيل المنسية من عالمهم، مراهناً كما باقي التجارب على الدهشة في الإنساني من التفاصيل، وبالمثل يصنع عبدالإله مطر في تعقبه لحياة البدو الرحل والرعاة في كشمير مشدداً على أحوال المكان الذي يمضي بعيداً في عزلته فوق الجبال، هنا تتسع زاوية النظر لتحقيق معنى المعايشة عبر الصورة من خلال الاستدعاء الكثيف للمكان وعلاقته بالناس، ليصبح المعنى رهن تآويل هذا المكان.
هكذا كانت كاميرا المجموعة تصقل معنى التصوير الوثائقي، وتصوغ لنا من شرفتها ألواناً من السرد البصري لحكايا بلا نهاية، لأن الصورة بدورها توقظ التفاصيل وتسافر في بحر من التآويل التي تحتمها المسافة ، ما بين زمن الصورة وزمن النظر إليها، وبين الشيء خارج الصورة وداخلها، وذاك حتماً من المساحات الجدلية التي تحرض المصور على التصعيد الدرامي والجمالي للممارسة الفوتوغرافية.
مرة ثانية تعاود المجموعة الاستثمار في هذا التوافق الجمالي بين أفرادها لتأخذنا في عوالم بصرية تنطوي على الكثير من الاشتغال الفني على البنية الحكائية للصورة، مراهنة على أفعال الكاميرا في تدشين سياقات جديدة كاشفة عن هذا التمازج بين ذات المصور وموضوعاته التي ينتخبها، لذلك تبقى “رؤيتي” العنوان الأقرب لروح المغامرات التي يجترحها هذا المعرض.

ملحوظة: صورة من المعرض بعدسة الجميل صالح حكروه

الصورة إن حكت: 76

Posted: أبريل 28, 2017 in Uncategorized

Screen Shot 2016-04-06 at 5.50.12 PMثمة تجربتان بارزتان على مستوى فعل الأرشفة لصور مدينة سيهات، واحدة تشتغل على الأرض كمتحف حي، والأخرى تهتم برقمنة الصور أي تحويلها إلى صور رقمية قابلة للتداول عبر فضاءات التواصل، كلا التجربتين تعبران عن اهتمامات فردية، أي أنها مدفوعة برغبات شخصية تتصل باهتمامات الواحد منهما، لذلك يبدو إيقاع العمل متذبذبا وعرضة للتعثر.

في التجربة الأولى نطالع المتحف الشخصي للمرحوم آل محيف الذي اهتم بجمع ما يمكن جمعه من صور البلدة، فضلا عن الصور التي كانت يلتقطها، غادر عن هذه الدنيا واستمر المتحف يجمع بين دفتيه المزيد من الصور، غير أن الصور بحاجة إلى تصنيف وتبويب ورصد للمعلومات المفقودة والتي قد لا نجد من يهبها المعنى كلما تقادم الوقت وبات من الصعوبة إيجاد وصف ذي معنى لكل صورة منها، من غير هذه الأفعال المؤسسة لمعنى الإرشيف سيظل المتحف أقرب   لفكرة “الموجودات” الفوتوغرافية التي لا يعرف لها أصل ولا سياق.

في المقابل، يجتهد الفوتوغرافي محمد الشافعي “أبوعباس” في تهيئة ما يملك من صور وما يصله من إرشيف العوائل بالبلدة على مستوى المحتوى ومستوى السياق، فهو شديد الحرص على إيجاد وصف مناسب للصور التي يعرضها، بسرد أسماء الشخوص والأماكن والتواريخ في أسفل كل صورة، حتى على مستوى المعالجة تبدو الخلفية الفنية للشافعي عنصراً مهماً في تصحيح مشاكل الصورة، وتمتاز الصور بالتنوع ما بين صور الوثائق التاريخية وصور الشخصيات وصور الأماكن والفعاليات التي تتوزع على تواريخ عدة.

ما ينقص الأولى هو الرؤية ليصبح المتحف أكثر تنظيماً، وما ينقص الثانية المزيد  من الدعم لتتحول المبادرة إلى ذاكرة شاملة لبلدة سيهات، وكلاهما بحاجة إلى فريق عمل وخطة لتطوير المحتوى وأساليب العرض، ولتخرج التجربتين من إطار المحاولات الشخصية إلى حالة مؤسسة يستفيد منها الناس، وتستفيد منها الصورة التاريخية التي كلما تقادم الوقت أصبحت عرضة للتلف والضياع، ليضيع معها جزء من تاريخ المكان وذاكرته الحية.

أثير السادة

الصورة إن حكت: 75

Posted: نوفمبر 27, 2016 in حكايا الصورة

عنوان الكتاب: Stanford Studies in Middle Eastern and I : Digital Militarism : Israel’s Occupation in the Social Media Age
الكاتب: Kuntsman, Adi, Stein, Rebecca, Adi, Kuntsman

الناشر:Stanford University Press
سنة النشر: April 2015
pid_23022-1
هل يمكن أن يتحول تصوير “السلفي” عنواناً للحرب؟
هذا ما يحاول كتاب “النزعة العسكرية الرقمية” ، الاحتلال الاسرائيلي في زمن التواصل الاجتماعي” الإجابه عنه وهو يفتش في أشكال التعدي والعنف التي تسللت إلى هذه المنصة الجديدة في سنوات المواجهة التي شهدها قطاع غزة مع المجتمع الاسرائيلي، وفي أشكال المواجهة التي انتهت إليها مواقع التواصل بين الطرفين المتنازعين، وذلك من خلال توظيف الخطاب الايدلوجي عبر هذه المواقع، والاستثمار في معطيات وتسهيلات هذا اللون من التواصل.
مجموعة من الباحثين وجدوا أنفسهم في مؤتمر أكاديمي عام 2009م، بعيد الاجتياح الاسرائيلي الدموي لغزة، لينهض عندهم السؤال المشترك حول الكيفية التي ستغير فيها تقنيات التواصل والميديا الحديثة في حقل اللعب السياسي لاسرائيل واحتلالها العسكري وعلاقة بالشرق الأوسط.
بدأت الكتابة في هذا الكتاب في لحظة “اليوتوبيا الرقمية” حيث المتظاهرون بكاميراتهم وحساباتهم في الفيس بوك يملأون الشوارع في تونس ومصر، في الوقت الذي تشاغل الباحثون والدارسون في فهم هذا الحضور المؤثر لوسائل التواصل في التغيير السياسي بكثير من الحماسة، قبل أن تخبو لاحقاً وتتحول إلى لحظة من لحظات النقد.
التدخل العسكري في غزة كان فاتحة لهذا التداخل بين السياسة والميديا الحديثة، وبالتحديد السياسة في وجهها العسكري داخل اسرائيل، فمن هناك بدأت ملامح العسكرة الرقمية تظهر في سلوك المستخدمين الاسرائليين والحكومة الاسرائيلية، حيث الجنود بهواتفهم الخلوية يرصدون لحظاتهم عبر الانستغرام، صور شخصية، ابتسامات، جنود يركبون الحافلات، صور مختلفة تصف الاعتيادية في يوميات الجنود الذين يتحضرون للهجوم، مع استخدام متكرر لفلاتر التجميل المتاحة في التطبيق، فيما يشبه محاولة التجميل لصورة الحرب، فنحن نرى الجنود لكننا لا نرى المعركة، أجساد ممتلئة بالجمال والحياة ولا شيء فيها من الأوساخ والدماء.

ترافق الاستخدام الكثيف للميديا الحديثة مع الضربة الجوية لحماس في قطاع غزة في عام 2012م، كان لافتاً استخدام الحكومة الاسرائيلية لتويتر وباقي المواقع الاجتماعية كمنصة للحرب، عبر الحسابات الرسمية، وعبر دفع الناس للتأييد والمشاركة الطوعية في الدعم من خلال تويتر والفيس بوك واليوتيوب، حتى باتت أفعال اللايك والشير لهذه الصفحات والحسابات بمثابة الدعم للجهود العسكرية، بعناوين من قبيل: “اسرائيل تحت النار”، “شارك الصفحة مع الآخرين إن كنت توافق على حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها”.

كان واضحاً الإزاحة التي جرت على مستوى العسكرة الرقمية، لجهة المشاركين والفاعلين فيها من مختلف الأطياف والأعمار في المجتمع الاسرائيلي، ولجهة اللهجة التي تصعدت وأصبحت أكثر راديكالية في تعبيرها، ودعمها لعنف الدولة، حوادث كثيرة ستكشف عن التمثلات الجديدة لما يسميه الكتاب” الأسرار العامة”، وهي تلك الأشياء التي يعرفها الشارع لكنه يخفيها، يفهمها جيداً لكنه يحميها، وفي مقدمتها العنف الرسمي، صورة الجندية إيدين ابيرغل وهي تلتقط سيلفي بمعية أسرى فلسطينيين معصبي الأعين ومقيدي الأيدي لتنشرها لاحقاً في الفيس بوك مكتوباً عليها “بأنها أفضل أيام حياتي”، هذه الصورة ستكون محطة اختبار لتلك الأسرار العامة حيث المحاولات لتبرير هذا السلوك الذي لا يراد أن يكون عنوانا للخطيئة، فهي برأي الذين اندفعوا للدفاع هي شيء آخر لا صلة له بعنف سلطة الاحتلال.
الصورة التي لم تحمل الجديد في محتواها باعتبارها ممارسات تتكرر على أرض الواقع، حملت في المقابل السجالات التي تجري على الأرض إلى الفضاءات الإلكترونية، حملتها إلى تخوم التبرير والتضامن، وتحويل القضية من نقاش حول عنف السلطة إلى نقاش حول الأمن المعلوماتي، وتحصين الجنود من هذه التسريبات عبر تشريع قوانين تمنع نشر الصور من مواقع العمليات، فالمسألة عبر هذه الإزاحات تحولت من نقاش حول الفلسطيني ضحية الاحتلال إلى الضحايا الاسرائليين الذين انتهكت خصوصياتهم عبر الفيس بوك، فالخطأ بالتالي هو نشرها في النت فقط!.
ستكرر حملات التضامن في صور شبيهة أخرى، فبعد مشهد الفيديو الذي يظهر فيه جندي اسرائيلي يدفع ويركل شاباً فلسطينياً، عمدت الحكومة إلى إبعاده عن الجيش، فتضامن معه الجنود الآخرون، وانطلقت مجموعات على الفيس بوك للتضامن، ومظاهرات في صورة صور “سيلفي” ضد الاستبعاد أو العقاب، فيما يوحي بوجود رغبة واستعداد لدى الشارع الاسرائيلي للتماهي مع صورة العنف العسكري.

سيلفي الانتقام سيتصدر الواجهة مع بداية الحملة العسكرية على غزة في 2014م، حيث سيعمد الاسرائيليون لاستخدام هذا الوسم لنشر صورهم المؤيدة للهجوم على غزة، ومعها ستتصاعد اللهجة من مجرد الانتقام إلى الدعوة لقتل الفلسطينيين، تلك الصورة ستختصر هذا التداخل القائم بين الصور العادية والعنف، لتأخذ العسكرة الإلكترونية مديات جديدة فيها من البروبوغاندا العسكرية والتغريدات العنصرية، والاحتفاليات العلنية لمقتل الفلسطينين، والصور السلفي بتأثيرات جمالية للجنود.

الصورة إن حكت: 74

Posted: سبتمبر 18, 2016 in حكايا الصورة

الإيموجي …المعلبات الشعورية
14258310_10208154601115006_372991408622981568_o
من شرفة اللغة الجديدة يخاطب الناس بعضهم البعض وهم يرممون في كل مرة المبنى العاطفي للنص عبر الوجوه والعلامات التي تعارفوا عليها ضمن قائمة الإيموجي، كلما عبروا للضفة الأخرى انتابهم قلق من أن لا تصل الجملة بكل حمولتها الشعورية، فيبحثون عن أثر عاطفي يسكن في عالم الإيموجي، يكتب الواحد منهم صباح الورد ويضع بجوارها صورة وردة حمراء كنوع من التشديد على العاطفة الجياشة التي تنطلق مع الجملة، فيرد الآخر صباحك قهوة تاركا لنا كوب قهوة ساخن، لا يشبه إلا المحسنات الجمالية والزخارف اللغوية!..
أمام وسائل التخاطب التي مكنتنا من الحضور في لحظات الغياب، غياب الصورة الحية وتجلياتها، صارت الوجوه والرسوم المستعارة خياراً فاتناً لرسم ملامحنا العاطفية، يخفف عنا عبء الوصف والشرح، وكتابة أشياء طويلة لا تسمح بها شروط اللعبة/اللغة الجديدة، لن ينتظر أحد منكم أن تقول له بأنك تبتسم الآن جوابا عن نكتة أرسلها، لأن الإيموجي أتاح لك خارطة من المشاعر التي يمكن أن تنتقي أي محطة تركن إليها، من الابتسامة الرهيفة، إلى الضحة الدامعة!، اختصارات تتيح لك أن ترصد أحوال الطقس في داخلك، وترسله في صورة شديدة الاختزال.
وكما أن للتخاطب فنون ومهارات، فإن لاستخدام هذه الصور والرموز مهاراتها هي الأخرى، وكلما ازداد عددها -والذي يقارب الألفي صورة حاليا- ازدادت الحاجة للتمرس عليها، والتعايش معها، فقد أصبحت واقعاً يؤطر أشكال حضورنا الإنساني في وسائل التواصل الاجتماعي…هي كالتوابل اليوم في محادثات الشبكة والهواتف المحمولة، غير أنها ليست في منأى من مشاكل التوصيل والتمثيل، ستستغرق وقتا وأنت تتمقل في القائمة بحثا عن وجه ملائم للجواب عن جملة باردة، أو ساخنة، وقد تجيب بنحو ركيك، كطالب بليد في درس القواعد اللغوية!.
ولأني من الذين لم يتكيفوا تماما مع رموز الإيموجي حاولت مرات إقناع الأصدقاء بالعودة للكتاب الخطية، والتراسل الصوتي، حتى لا أستخدم رموزا في غير مكانها، وحتى نقرأ عواطفنا عبر تماوجات الخط وموجات الصوت، كما يفترض فينا ككائنات حية، وربما أنجح يوما في إيجاد جماعة مناهضة للإيموجي باعتبارها محاولات لتعليب مشاعرنا!.

الصورة و آفاق التعبير الفني..موضوع القراءة مثالا
 1410801016982
تقترح أرامكو السعوديى “قارئ الجمال” عنوانا لمسابقتها المخصصة للتصوير الرقمي والفوتوغرافي من أجل دعم مشروعها الخاص بتشجيع القراءة وذلك ضمن برنامجها  الثقافي “أقرأ”، فالصورة هي واحدة من الملاذات المقترحة لتسويق فعل القراءة الذي يمثل المتن في هذا البرنامج..والجمال هنا يراد منه أن يكون مضاعفا، فهو معني برصد جماليات القراءة، وجماليات الصورة معا، أي أن المصور مدعو للذهاب إلى مشهد الصورة من أجل فكرة تحيي قيمة القراءة، وتضي الطريق إلى جمالياتها.
 
الوقوف على تخوم “القراءة” سيهب الناس الكثير من الأفكار العالقة في الأذهان، والصور المألوفة عن هذا الفعل، كطفولة القراءة، وكهولتها، حكايا ماقبل النوم، والتلاوات المقدسة، قراءة الصحف، والمكتبات الممتلئة بصنوف الكتب، والقراءات الجماعية، وباقي الصور التي يحفظها الناس بالتمام، ولأننا جميعا عبرنا من درس “القراءة” سنستثمر في ذاكرتنا وصورها لإيجاد لحظة جمالية نعيد هندسها عبر مرشحات الضوء لتقف عند حدود الجمال المنشود.

في الدورات الثلاث التي خلت، جرى التمرين على هذه الصورة ومحاولة تصعيدها جماليا، فكانت الصورة الفائزة لا تذهب بعيدا في احتمالاتها، وأفكارها، حيث الرسالة الصريحة التي تسكن في عمق المشروع تدفع المشاركين للالتصاق بتمثلاتها الواقعية، فضلا عن الشرط الفوتوغرافي الذي يجعل من الواقع في معظم الوقت إطارا للاشتغال الفني..شاهدنا كهلا منكبا في القراءة في الصورة الفائزة لخالد السبت، وذلك الرجل المتسمر في طقس القراءة في زحام الطائفين في صورة عبدالعزيز البقشي، فيما تضيء خلود الخالدي الطريق إلى حضور القراءة في عالم الفقراء عبر مشهد لطفلين يتأملان في صفحات كتاب، ويدفع بنا هشام الحميد إلى مطالعة الطفولة في انغامس لافت ضمن بيئة بدائية، مفعمة بنضارة الطبيعة، في حين يتفرد حسين أبوحليقة باستخدام إمكانات التصميم لتخليق لحظة متخيلة يرتفع فيها طفل فوق طود من الكتب.

مؤكد بأن هنالك الكثير من الأفكار المشابهة لدى المشاركين من غير الفائزين خلال عمر المسابقة، غير أنه ليس من السهل الحصول على صورة استثنائية لموضوع يراد له أن يتكثف حول ثيمة واحدة، ثيمة لا يراد لها أن تبتعد ملمتر واحد عن مقاصد المسابقة، وهو التحريض على القراءة، وهذا ما يجعل من التعاطي مع الثيمة بمزيد من العمق مسألة بالغة التحدي، للفوتوغرافيين، وللقائمين على المسابقة على حد سواء، وهذا ماسيجعل من المشاركين يميلون إلى تعويض الجدة في الفكرة بالإجادة في التنفيذ، كمسوغ لمرور التجربة وصعودها في حظوة التقييم.

هناك سعة تعبيرية لمقاربة فعل القراءة فوتوغرافيا، لكنها بحاجة إلى اقتراحات جمالية لا تحبس الأفكار ضمن التصوير المباشر والواقعي، وإنما تمضي باتجاه التفكير خارج إطار الصورة التقليدية، فالعثور على رؤية جديدة تعيد استدعاء الحاجة الروحية والعلاقة العاطفية مع الكتاب، وتؤسس لمعنى القراءة وقيمتها في فضاء الحياة، يستلزم البحث عن مقاربات مفاهيمية وأخرى تجريدية، تذهب إلى جاذبية الصورة الكثيفة والمختصرة في آن، وإلى جاذبية الفكرة وإلهاماتها، وهذا يتأتى عبر اختبارات جمالية لمفردة القراءة/الكتاب، والبحث في مجازاتها ودلالاتها.

مازلت أحفظ من يوميات المسرح تلك الرغبة في دفق الفعل المسرحي بالطاقة التعبيرية اللازمة لإيصال الفكرة، عبر تكاملية اللغة والجسد والمكان، وهنا تملك الصورة أن تستحيل فعلا دراميا، عبر تهيئة الصورة بنحو مسرحي، كشكل من أشكال التعاطي الفوتوغرافي المقترح مع ثيمة القراءة، فكما يذهب المسرحي لاقتراح مشهد الإمساك بالكتاب في لحظة فتح الباب أو باب الثلاجة للتشديد على أهمية الكتاب وطبيعة التعالق العاطفي معه، يمكن للفوتوغرافي أن يهندس المشهد البصري لإيصال الفكرة بكثير من الشحن العاطفي، ليبني الصورة من داخلها، على مستوى التكوين، ومن خارجها على مستوى التأويل والتفسير.

12366223_10208492982792296_8621767580952334672_n

في كل حقل من حقول الفن والأدب، ثمة إعادة استنهاض لمجموعة من الأسئلة بين وقت وآخر، بعضها يتصل بالمبنى، وبعضها يتصل بالمعنى، وبعضها الآخر يمضي لاختبار العلاقة بين داخل النص وخارجه، وهذا بالتحديد ما تنشغل به النظريات الأدبية وهي تبحث عن منهجية لمقاربة العمل الإبداعي هذا أو ذاك.

الصورة الفوتوغرافية، كواحدة من الممارسات الإبداعية التي لا تكف عن رفع سبابتها في كل مرة للتأكيد على انتسابها لخانة الفن، لها هواجسها وأسئلتها التي يعاد صياغتها في كل مرحلة، ويعاد وفقا لذلك إعادة تقييم “السؤال الجمالي”، والذي يرسم أفق العمل واتجاهاته ضمن حقبة زمنية ما.

السؤال الجمالي متحرك بطبعه، يتصل برغبات الكائن الحي في الإبداع والتجدد، آفاقه مفتوحة على كل التحولات والمتغيرات التي يعيشها الواقع من حولنا، ومن حول الممارسين لهذه الصنعة، والصور بنحو أخص تبدو أشد اتصالا بالواقع لجهة اتصال مادتها والتصاقها بأفعال النقل والتوثيق، وهو القيد الذي يمثل تحديا للمنشغلين بالتصوير، ويحرضهم لابتكار جماليات بديلة، تزحزح الصورة من سكونها ورتابتها.

من يفتش في دفاتر التاريخ يمكن أن يلمس هذا الانتقال في مقاربة سؤال الجميل فوتوغرافيا، كثيرة هي الصور التي قد تقع عليها أعيننا اليوم من تجارب الماضي ولا تثير فينا الكثير من الدهشة، لكنها كانت في وقتها عنوانا لفتح جمالي على مستوى الممارسة..أفعال التنعيم والتلوين التي امتازت بها تجارب الثلاثينيات وماقبلها من القرن الفائت، ضمن اجتهادات مدرسة البيكتوريال، لا يمكن مقاربتها اليوم ضمن عناوين الجمال التي يقترحها مصوروا ما بعد الديجتال، هي تجسيد لطبيعة السؤال الجمالي الذي حرض هذه الطليعة من الفوتوغرافيين لمشاكلة أفعال الرسم، لإضفاء قيمة فنية للممارسة الفوتوغرافية، ومنحها جواز عبور لعالم الفن تحديدا.

اليوم نحن أمام طوفان من الصور، نقلبها بأعيننا، نغرف منها، ونضيف لها، صور تتشابه في موضوعاتها، وأشكال تنفيذها، هنالك محرضات كبرى لجعل التكرار والمماثلة هو عنوان الممارسة الفوتوغرافية اليوم، تبدأ بمنصات النشر والتواصل الاجتماعي، ولا تنتهي عند مغريات اليومي والحياتي من الصور.

في هذه التحولات لا يمكن القول بأن هنالك سؤال جمالي وحيد في متسع التجربة، نحن أمام جملة أسئلة، تطاول معنى الصورة كصورة، وأبعادها الجمالية،وأمل التجارب القائمة هو أول الطريق لاكتشاف طبيعة السؤال أو الأسئلة الجمالية التي تحرض المشتغلين في عالم الصورة، من أولئك الذين يحملون الإبداع هاجسا، على اعتبار أن الصورة والتصوير كلاهما حاضران في فضاء الناس، أي أن التصوير بحد ذاته بات ممارسة شعبية، يهبها الناس شروطها وأعرافها الخاصة، انتاجا واستهلاكا، غير أن الفارق هو في القصدية، فالمبدع يتقصد البحث عن الجمال، وإعادة تعريف معنى الجميل في بناء الصورة.

لو نظرنا إلى تجارب الفوتوغرافي يوسف المسعود على سبيل المثال، ستجد أن الإضاءة فيها هي المدخل الأثير بالنسبة له لاكتشاف الممكنات الجمالية في الصورة، يصعد من قيمة الإضاءة ليهبها عمقها الجمالي، فالضوء مفردة جوهرية في تأثيث فضاء الصورة وتدشين دلالاتها.

التنويع في توظيف الإضاءة والذهاب بها من مجرد أداة تزويغية عند الكثيرين إلى أداة تعبيرية، هو ما يفسر تطلعات المسعود المستمرة لايجاد اختبارات مختلفة لقيمة الضوء وتكنيكاته في الصورة، مستثمرا في معطيات التقنية، وفي تأثيرات الضوء الحسية والدرامية على الصورة.

12696925_10207530293591917_166649332746501550_o
في المقابل، يجهد الفنان محمد الخراري لجعل صلة الصورة بالواقع موضعا للاشتغال الجمالي، أي أن مادة الصورة وإيقاعها ستتطور وفق هذه الرغبة التي ستحرضه للالتحام بالحياة اليومية، واستلهام التكوينات البصرية للمكان والتي ستغدو عنصرا فاعلا في بنية الصورة، الصورة التي يجري تصميمها وفق موقف فوتوغرافي منحاز لخزين المكان البصري، وما فيه من تجليات لأفعال الناس.

طبيعة الهواجس الفنية في هاتين التجربتين رسمت حدود العمل واتجاهاته، كما رسمت ملامح السؤال الجمالي الذي تتحرك من خلاله، فالتجربة الأولى أميل إلى مساءلة شكل الصورة وبنائها، فيما الثانية لديها رغبة معلنة في تطوير متن الصورة، ومساءلة البعد الاجتماعي والثقافي للصورة، وهذا ما يسمح بانتاج جماليات بصرية مختلفة، تستمد فرادتها من تصعيد سؤالها الجمالي عبر التجربة.