في سوق الصورة، نجد أنفسنا دائما أمام تحولات عدة، بعضها اقتصادية، وبعضها الآخر تقنية، ومثلها اجتماعية، وفنية، أشياء تتبدل في طبيعة تعاطينا مع الصورة من جهة، وفي طبيعة انتاجنا للصورة من جهة أخرى، وهناك في صفحات الانترنت من ينشغل برصد التوقعات الخاصة باتجاهات التصوير في كل عام، على غرار توقعات الأبراج، سنجد حديثاً عن صعود موجة واختفاء أخرى، عن حضور تقنية وغياب ثانية، وقد اعتدت البحث في هذه الصفحات المختصة عادة بأحوال الصورة للتعرف على مايراه أهل الصنعة من مستقبل لهذه الممارسة الفنية وما يرسمونه على الورق كخارطة طريق للقادم من الأيام.

تقنيا، كان الحديث متكررا عن استمرار صعود الكاميرات الصغيرة وسيطرة كاميرا الهواتف المحمولة، والذي بدوره سيعمل على إزاحة الكاميرات الاحترافية من نمط DSLR ، فالتنافس المحموم على مستوى البكسلات وجاهزية الاعدادات وتطوير التصوير الليلي في هذه الاجهزة سيجعل منها في مقدمة خيارات الناس للتصوير، فضلاً عن جودة تصوير الفيديو التي ستحرض على انتاج المزيد من مقاطع الفيديو ومحاولة الاحتراف فيها.
اللافت الإشارة إلى التصوير بكاميرا الدرون كواحدة من الاتجاهات التي ستشهد إقبالا خلال العام الجاري، وأقول اللافت لأنه وقبل أيام قد أصدرت السعودية نظاما الكترونيا يسهل عملية استصدار تراخيص لاستخدام الكاميرات الطائرة بعد أن كانت مرتبطة بقيود مشددة على مستوى الاقتناء والاستخدام.

ثقافيا، هنالك كلام عن عودة روح الكاميرات الفيلمية، والتي تتساوق مع تنامي الرغبة في احتضان القديم والكلاسيكي من الأفكار والممارسات الإبداعية، وهذا ما تحاول بعض الشركات تلقفه والعمل على تعزيزه عند المستهلكين الذين يعتقدون بوجود قيمة مضافة لهذا اللون من التصوير، وإن اختلفت الدوافع والرغبات.

فنياً، يرجح المراقبون في تلك المواقع أن تتحرر الصور من التصنع والانضباط المحسوب على قواعد التصوير، لصالح صورة أكثر بساطة وأعمق في التعبير عن المشاعر العفوية التي تنطوي عليها الصور الشخصية وصور الحياة اليومية، لا شيء واضح في مسوغات هذا الترجيح، لكنه يبدو بأنه قائم على مقاربة لسلوك الممارسين للتصوير في التطبيقات والمواقع الشهيرة، والحلول الفنية التلقائية التي باتت الكاميرات الحديثة والهواتف المحمولة تتيحها للمستخدمين بنحو يجعلهم ينصرفون عن الانشغال بإعدادها وتهيئتها.
محلياً، وهذه إضافة من جيبي، أتوقع أن تتقلص مساحة الشراء من محلات التصوير في المدن شيئا فشيئا لصالح المنصات الإلكترونية التي باتت تقدم منتجاتها وخدماتها بشكل أفضل وبأسعار منافسة، كما أتوقع أن تتسع دائرة الاستثمار فنيا في مقاطع الفيديو، والإفادة منها أكثر في التوثيق، والأفلام القصيرة، وصعود موجة مختلفة لإنتاج مقاطع الفيديو، تتجاوز المتداول من مقاطع مشاهير الميديا، بعد دخول المزيد من المساهمين في هذه الصناعة، وتعرفهم على أسرار صناعة الفيديو.

Advertisements


جماليات العرض في تجربة “ذاكرة جصية”
الفنان لا يركن إلى الظل، فالظل عنوان الراحة والسكون، فيما الفنان كائن مسكون بالقلق، لذلك هو إبن الضوء وتجلياته، يبحث عنه، وفيه، وفي عالم التصوير يصبح الضوء حقيقة وليس مجازا، ذريعة الفنان للولوج في أفكاره والكشف عن تأملاته، يستأنس بهذه المجاورة الدائمة بين الظل والضوء، ليؤسس عمارة المعنى في الصورة، فكل صورة هي ضوء، حتى الظلال هي انعكاسات لهذا الضوء الذي به نبصر ونلمس ونتفاعل مع الوجود من حولنا.

في عالم الصورة، يتمنى المصور منا أن يجمع بين ضوء الشمس وضوء القلب ليصل إلى نور ينظر من خلاله الرائي إلى أسرار المشهد، إلى الصورة الكاملة التي بها تمام المعنى والمبنى، فيكتب نص المكان على طريقته، الطريقة التي ستتوج كل صورة بدلالاتها المشتهاة، كل صورة هي بمثابة تجربة جديدة، غير أنها لا تنقطع عن التواصل مع التراكم الفني لعين المصور الذي يهب الصورة من هويته ومزاجه وتطلعاته.

ذاكرة جصية، المعرض الفوتوغرافي للصديق محمد الخراري، ليس درساً في العمارة بالتمام، وإن بدا كذلك بحضورها الجوهري كموضوع، وليست دعوة للبكاء على أطلال الماضي القريب، ولو أطلت هذه الرغبة ضمن احتمالاتها، هي بالنسبة لي بمثابة تذوق لنصوص المكان وإعادة كتابتها بصريا، ليذكرنا بتجليات هذا اللقاء القديم بين الإنسان المحلي ومادة الجص، وانفتاح الذائقة المحلية على زخرفيات متنوعة في البناء، كانت هي الدليل على انعكاسات اللحظة التاريخية والشرط الجغرافي على حد سواء.
في معرض الخراري، هنالك رهان واضح وصريح على الاستثمار في جماليات العرض، من طبيعة تهيئة المكان إلى طباعة الصور، وحتى تأطيرها، كلها تكشف عن انهمام بدفع الصور المقدمة إلى حالة مكثفة من حالات الفرجة، التنويع في مقاسات الأعمال، وخاماتها، وطرق تأطيرها، وعرضها تحكي عن طبيعة السؤال الجمالي والاقتصادي الذي يؤطر تجربة “ذاكرة جصية”، ستحرص بعض الأعمال على مماثلة موضوعاتها من حيث الأبعاد، كأنها دعوة لملامسة موضوع الصورة من دون مسافة بين الشيء وصورته، أي أنها تذهب برغباتها إلى حقن الصور بمزيد من الشحنات الواقعية، كذلك الجدارية التي كانت كافية لتهيئة المشاعر والأحساسيس لاستقبال المكان المرصود ومعايشة تفاصيله، يأخذه هذا الهوس بالتصعيد الواقعي للصور باتجاه استحضار قطع حقيقية من قطع الجص في مايشبه الحالة الاحتفائية، تنسينا لحظة السؤال عن وجودها كبقايا خراب، لصالح حقائق العرض واتجاهاته التي لا تكف عن تذكيرنا بشواغل انعاش رغبات الفرجة والتصعيد البصري.

قلت بأن هنالك سؤال اقتصادي أيضاً، يتصل بشكل وقيمة الطباعة، فالأعمال التي تطمع بأن تعيد موضعة الصورة ضمن دائرة المقتنيات الفنية، جاءت في مقاسات وخامات تتقصد عيون الباحثين عن ما يهب جدرانهم الصامتة ما يجذب النظر وحسن المنظر، وهذا يتضح في صورة التكرار لبعض الزخرفيات، دون التنويع في التأطير والمقاربة الفنية، فضلاً عن طبيعة تقديمها في زوايا المعرض والتي لا تخلو من مغازلة أفعال التصميم الداخلي..كان الخراري صبورا وهو يهندس التفاصيل لهذا المعرض الثري، ولولا محدودية الإمكانات التي توفرها قاعات العرض المتاحة لأمكنه أن يذهب أبعد في تصعيد الفرجة، فالجدارية يمكن إعادة إنتاجها لتكون بناءاً يعاد تكوينه ليهبنا الدخول في ممراته والتعرف على حميمية الضوء النافذ إليه، هنالك لعبة فنية غير متاحة بسبب الكلفة الاقتصادية من جهة وبسبب عدم توافر قاعات عرض تتمثل طموحات المبدع وتصوراته.

هذا المعرض هو الدليل على أننا أمام سؤال كبير حين التفكير في الخروج من منصات العرض اليومية التي بدت معارض دائمة يعرض من خلالها المصورون نتاجاتهم، سؤال عن القيمة المضافة التي يمكن أن يهبها العرض الواقعي، فإقامة معرض حي وخارج دائرة الفضاء الافتراضي ينبغي أن يجد له مسوغات كافية لإشعارنا بهذه المسافة الجمالية بين مشاهدة الصورة من خلف الشاشات وبين معاينتها كحالة من حالات الفرجة الحية، وقد ساهم الخراري بهذه التجربة في إضاءة الطريق إلى واحدة من احتمالات الإجابة عن هكذا سؤال حين دفع باتجاه الاستثمار في جماليات العرض.


هل أتاك حديث مسابقة الأحساء ؟
يروى أن مدينة مشغولة بنيل الألقاب والأوسمة استيقظت ذات صباح على خبر إطلاق مسابقة للتصوير الضوئي تعنى بوصف المدينة، عنوانها “الأحساء كما أرى”، المدينة التي يكاد عدد المصورين فيها أن يناهز تعداد ماتبقى من رؤوس النخيل لم يغمض لها جفن بعد الإعلان، لم يكن الأمر يحتاج إلى طول شرح ولا تفصيل، فهكذا حدث هو بمثابة تمرين يومي لعدسات استدارت للمكان باكرا واستثمرت فيه حتى باتت الصورة المحرض الأول على توسيع دائرة الحلم، فمن غمار سبع العجائب إلى الدخول في نادي المواقع التاريخية ذات الامتياز الأممي.

حب المكان وقبله عناق الجوائز سببان كافيان لتوقع الاحتشاد على باب المسابقة واغراقها بالصور، شرط المكان سيهب أهل المدينة امتيازا حصريا في هذا السباق، فكل صورة يراد لها أن تروي حكاية من حكايا المكان، في المقابل كان أرباب المسابقة يفصلون كل شيء على مقاس رغبتهم في توسيع خيارات الصور لمطبوعاتهم وحملاتهم، فالبحث عن صور جديدة لا يكون إلا بالذهاب إلى شركات تصوير أو دعاية وإعلام، أو استدراج المصورين الهواة والمحترفين عبر بوابة المسابقات، والخيار الأخير أيسر وأقل كلفة، أيسر لأنه سيجر المشاركين إلى شروطه وتحقيق رغباته عبر الاستملاك الدائم لأكبر عدد من الصور.

أغلق باب الاشتراك على أكثر من ٤٠٠ صورة جرى اعتمادها بعد الفرز، وانفتح باب الحيرة عند لجنة التحكيم بأعضائها الثلاثة، حيرة تفرضها فضفاضية العنوان والشروط، وبطء عملية التواصل -على رواية أحد أعضاء اللجنة -مع الشركة المنظمة ومقرها الرياض، أصبح البحث عن خمسين صورة فائزة يشبه التنزه في غابة من الاحتمالات، المحمولة على التشابه حيناً، والمفاجآت حينا أخرى، فالأفكار المذخرة لتعريف المكان ستركن في الغالب لتصوير حظوظ الأحساء من الطبيعة المتواشجة مع النخيل، وما تبقى من دفاتر التاريخ من معالم وآثار، هنالك صورة نمطية يتصالح عليها أهل المكان ساعة يحاولون التعريف به والإشارة إليه، وهي منحازة غالبا للشعبي والتاريخي من احوال المكان.

ليست هذه الارتباكات وحدها ما شغل المتابعين والمشاركين في هذه المسابقة لاحقاً، فالشركة المنظمة التي بيدها كل شيء أرادت مشاكلة لغة المنصات الاجتماعية وراحت ترسل رسائل للمتأهلين ذات صياغة خارجة عن الجدية وبها مزيج من عامية وفصحى، وجاءت قائمة الفرز الأخيرة لتكشف عن صور تقليدية وخالية في بعضها من روح الإبداع، بينما كانت الصدمة الأكبر في كون أحد الصور الفائزة قد جرى التقاطها في واحدة من مزارع محافظة القطيف، لتبدأ من هنالك سجالات وتغريدات، ومحاولات للاستفهام عن ظروف مسابقة تنتمي لغرفة التجارة، وترعاها مؤسسات كبرى، وتنتهي في صورة حصاد ذابل لموسم لم يتم التحضير له جيداً.

هذا موجز عن ماجرى، على رواية الرواة، من داخل المسابقة وخارجها، وأرى بأن المسابقات الفوتوغرافية عموما إذا ما انحازت باتجاه شروط تجارية ولم تكن محمولة على رؤى وتطلعات ثقافية، ستكون دائما سبباً في المزيد من الإحباط في الوسط الفوتوغرافي، خاصة أولئك الذين يبحثون عن مختبرات حقيقية لإمكاناتهم الفنية، ويتطلعون إلى منافسة تحرض الفنانيين على الإبداع، وعلى رفع مستوى التنافس في هذا الملعب الواسع.

لا يمكن أن نصف كتب الصور التي تندرج تحت عنوان “photobook” بالألبومات، فهذا الوصف يحمل دلالات ذات صلة بتنظيم الصور وترتيبها ضمن الدفاتر البلاستيكية التي عرفها الناس مع بدايات الاهتمام بالتصوير والصورة، هي تشبه الألبومات من جهة جمعها للصور لكنها تفترق عنها في الوظيفة، فالألبوم استقر عند حدود التخزين والحفظ للصور، حفظها من الضياع، ضياع السياق والمعنى والقيمة، فيما الكتب للانتشار وإيصال الأفكار والرؤى الفنية للآخرين ومنحها قيمة فنية وثقافية، كمن يقدم أعماله ضمن منصة عرض واقعية.
هذه المقدمة ضرورية لفهم دوافع نشر كتب الصور التي تحتضن تجارب المصورين وأفكارهم، وتعيد موضعة الصورة ضمن سياق الثقافة عموما، فكل كتب منها هو منذور بالضرورة لإنتاج قيمة ما، وتعزيز معنى ما، والتحريض على التفاعل مع محتوياته ومعطياته…ولعل العرض اليومي للصور في منصات التواصل الالكترونية يجعل من الذهاب لفعل النشر والطباعة للصور ضمن كتاب سببا لإعادة التفكير في قيمة هذه الكتب الفنية و الثقافية، أي أن الألبومات المفتوحة بلا نهاية في دروب الانترنت وهبت هذه الكتب تحديات جديدة، تتصل بطبيعة مقاربة الصورة، واستثمارها، وطبيعة تسويقها وتهيئتها.

جمال هذا النمط من الكتب المختصة بالصورة هو قدرتها على إخراج الصورة من صمتها عبر استدراجها لسياقات جديدة، تتآلف فيها مع نوايا جديدة ، ودلالات غير منحصرة في الحدود المستقلة لكل صورة على انفراد، بمعنى أن هذا الدمج المقصود للصور هو سعي صريح لإنتاج معرفة جديدة بالصور المقدمة..فمن يقدم كتابا مصورا لمدينة ما مثلاً هو يحاول إعادة كتاب هذا التاريخ وتكييفه عبر الصورة، ومن يقترب من يوميات الشارع في مكان ما ضمن كتاب هو يعيد رسم هوية المكان والناس فيه، وهكذا يصبح كتاب الصور أكثر من مجرد ألبوم صامت، بل رصداً اجتماعياً وتاريخياً وجدلا ثقافياً يجد صداه في طبيعة تلقي الناس له وتفاعلهم معه.

في عام ٢٠١٤، وفي لحظة من لحظات الاسلام فوبيا، قدم المصور والباحث في شئون الهجرة ، Nicolò Degiorgis، كتاب صور بعنوان “ الإسلام الخفي” يوثق لمواقع العبادة المؤقتة التي يرتادها المسلمون في شمال شرق إيطاليا، حيث تتصاعد الحملات المعادية للإسلام والهجرة هناك، جمع فيه صورا بالأبيض والأسود لمنظر مواقع العبادة من الخارج وبداخل كل واحد منها استكشاف للعالم المجهول في صور ملونة تصف أحوال الناس فيها.

بدا الكتاب وكأنه إعادة لتدوير السؤال عن معنى التضييق والتمييز الذي يطال هذا المكون الديني في المجتمع الايطالي، وعن معنى حرية العبادة بالنسبة للمسلمين الذين يجاوز تعدادهم المليون فيما المساجد المرخصة لهم لا تتجاوز أصابع اليد، أي أنه ومن دون كتابة أي تعليق مع الصور، عدا مقدمة Matin Parr ، سيقدم بخطابه المعلن حجاجاً بصرياً في سياق الجدل حول حقوق الأقليات المسلمة في البلدان الأوروبية، وسيقدم توثيقاً طوبوغرافياً لأفعال التهميش التي تنتهي إلى حمل هذا المكون إلى خارج حدود المجتمع.
أثار الكتاب يومها الكثير من الضجيج وكتبت حوله الكثير من التعليقات التي جمعها لاحقاً في كراس حمل عنوان “الإسلام الخفي و ٤٧٩ تعليقاً”، لتكون هي الأخرى الدليل على طبيعة السجالات الاجتماعية والثقافية في الوسط الأوروبي حول الهجرة والإسلام، ولتنجح الصورة بذلك في أن تكون منصة للحوار الفكري، بالإفادة من فكرة كتاب الصور الذي لم ينشغل فقط بالجمع والتوثيق وإنما بصناعة رؤية جدلية تحرض على التفكير والحوار.


حين تحلق بالطائرة فوق مدينة ما، ستجد بأنك تبصر شيئاً جديداً، ليس ضمن حدود الرؤية اليومية، شيئاً يشبه مجسماً صغيراً للمكان، فكل شيء يتناهى في الصغر حين تتسع الرؤية من أعلى، تأخذك المشاعر حينها إلى التفاعل بنحو مختلف مع صورة المكان، كالطير وهو ينغمس في عمق السماء، يحلق وينظر من أفق المغامرات التي يجلبها التحديق إلى أسفل، قد تبهجك الأنوار المضاءة في كل اتجاه، والشوارع المتداخلة في امتدادها الأنيق، والبيوت المتوارية خلف كثافتها..كل ذلك لأنك جربت النظر بأكثر رحابة، تسترق النظرة تلو النظرة لمكان مليئ بالتفاصيل.

التصوير الجوي هو الآخر محاولة للنظر إلى الأرض من مرايا السماء، الكاميرا فيه تنتخب تكوينا جديدا للمكان، وتراهن على تقديم خطاطة مطرزة بالتفاصيل الكثيرة والدقيقة، ومن السماء تسترد تجربة التصوير الجوي ذرائعها لرصد أنفاس المدينة، ترفع من مستوى توقعاتنا لجماليات التضاريس التي تصوغ ملامح المكان.

فهل ساهم التصوير الجوي في إعادة بناء صورة المدينة؟
في عالم السياحة، تتقدم هذه النماذج من الصور في تعريف ما يعرف بالمدن الفوتوجينية، لتبدو كرافعة جمالية لهذا المشهد السياحي المرصود لجذب المزيد من السواح، سيشهق الواحد منا وهو ينظر لامتداد الحقول، واسترخاء البيوتات على السواحل، وجماليات الاضاءة الليلية في ميادين المدينة الصاخبة، ومشهد البنايات التي تناطح السحاب، وباقي الأشياء التي تحاول مدن السياحة أن تزهو بها..يعلم السواح مقدماً بأن سياحتهم على الأرض وليس في السماء، وأن هذه الطبيعة الموصوفة جوا لن تعرفها أقدامهم بذات النحو، غير أنهم يتأثرون مباشرة بإغواءت الصورة الجوية التي توقظ رغبة الاكتشاف لدى السائحين، ورغبة الوقوف على حدود الصورة المتخيلة للمكان.

ومع التسهيلات التقنية التي قدمتها كاميرا الدرون، باتت الصورة الجوية مادة حاضرة في توثيق المدن وتسويقها بنحو أكبر، لتغمرنا بأحاسيس جديدة وتصورات مغايرة عن فضاءات المدن المألوفة، الذين شاهدوا اللقطات الجوية لساحل القطيف وشريطها الزراعي مازالوا يستشعرون نشوة مختلفة لهذا الحضور الاستثنائي لصورة مدينتهم المحمولة على الحسرة لانحسار شواطئها ونخيلها، بدت لهم هذه المرة متألقة في زرقة الماء واخضرار الأرض وانتظام طرقاتها.
أتذكر هذه الانطباعات وأنا اتأمل في صورة للفوتوغرافي عبدالله الشيخ تصف لنا مدينة الخبر من الجو، ومن فوق برج الماء، باعتبارها مدينة يحاصرها الماء بلا انتهاء أشبه شيء بجزيرة تعانق الغيم وتحرس الشاطئ الذي يطوقها بلمعانه اللافت، هنا نكتشف صورة لا تصف فقط حداثة هذه المدينة بل جاذبيتها واتصالها بمدن الفوتوجينيك، في بناء بصري مقصود لاستنهاض الوجه السياحي للمكان.

قوة الصورة الجوية في قدرتها على صنع صور متخيلة للمكان تزاحم الصور الواقعية التي يشاهدها الناس على الأرض، فمتعة الصورة ستتحول إلى ملامسة افتراضية لهذا الفضاء المدني والعبور من خلاله باتجاه تجربة المعايشة والتي يأمل صناع الصورة في أن تكون حافزا لاتخاذ قرار الزيارة للخبر…ستبرز هذه القوة مرة أخرى في تجربة الترويج للأحساء كوجهة سياحية، حيث الصورة أول تذاكر العبور إلى مختبر السياحة، وفيها الصورة الجوية التي تسابق عدد من المصورين لاعتمادها في تعريفهم للمكان، وشحنه بالكثير من الاحتمالات الجمالية التي ستتوارى خلف لقطات من الممرات السماوية.


كل الطرق تؤدي إلى الذاكرة في إرشيف الأستاذ طاهر العلي، فصفحته في اليوتيوب تروي لنا عن سيرة انغمست مبكرا في عالم التصوير، يوم كنت في قماطي مشغولاً بالبكاء كان هو يدير كاميرا سينمائية ويجول في أزقة بلدة “الجش”، يرسم معها أولى اللوحات الفائضة بأحوال الناس وسيرتهم، وجوههم وأسمائهم.

شهوة النشر والمشاركة التي جلبتها فضاءات النت جرت معها الكثيرين إلى أن يكونوا منصة للعرض، والعلي هنا يعرض من خزانته لحظات من أجواء الفرح، وطفولة الأزقة، ويوميات السوق، ومسامرات الفلاحين، يبدو واضحا من هذا الكم الذي يملكه من الذكريات البصرية أن الكاميرا لا تغادر عنقه ويديه، كل شيء يوحي بأن الرجل مشغول بالتفاصيل، وبالانفتاح على الحياة عبر العدسة، يرى بها ويرسم صورة عن بلدته الغافية في سيحاتها.

مؤكد بأن تجربة العلي ليست الوحيدة في المنطقة، هنالك حتماً من تملكتهم رغبة التصوير في بداية التحولات التي مرت في كل مدينة وقرية، هنالك من جعلوا الكاميرا صديقة للعائلة فقط، وهنالك من أحالها تحاور كل شيء من حولها، ولعل منهم من لم يزل يختار الخزانة مكاناً لهذه المحفوظات البصرية، وربما كان فيهم من لا يعرف سبيلاً لاستثمارها وتحويلها إلى مادة للتدوال بين الناس.

يجهد العلي وهو يقدم مقاطعه المعدة أن يهبها المزيد من الحياة، عبر رصد الأسماء، والتعليق عليها ضمن المشاهد التي تفقد الكثير من معلوماتها مع تباعد المسافة بيننا وبين الزمن الذي كانت فيه، يدرك جيدا أهمية استدعاء الذاكرة شفاهيا وهو يستعيد شريط الماضي، فدرس الصورة يتجلى في مقاومتها للنسيان.

مبادرة صغيرة لكنها مهمة في فضاء لا يحفل بالكثير، مبادرة تذكرنا بأن هنالك الكثير الذي يمكن إنجازه على مستوى ترميم الذاكرة، وتحويلها إلى مادة ثقافية، فكل ما يتدفق فيها من صور، ومن معلومات، يهب الناس فسحة للإطلاع على ذاكرة لم تعرفها الكتب، وهذا ما يجعلنا نأمل في أن تحظى الصورة السيالة منها والجامدة بمبادرة جادة، تدعمها مؤسسة ذات صفة اعتبارية، من أجل تحويل الصور القديمة إلى مادة ثقافية، إلى درس في التاريخ، وإلى مادة فنية ناضجة، فكل ما يجري اليوم يمضي ناحية التسلية والاستنئاس بالذكريات، تحت وطأة الحنين للماضي تارة، ورغبة المشاركة البصرية تارة أخرى.

لن تساهم الصورة في كتابة ماتيسر من سيرة المنطقة ما لم تتيسر لها فرص للتطوير والاستثمار الثقافي، ولن تنتظم الجهود المتناثرة والصغيرة ما لم تجد لها قناة تصب فيها وتتحول إلى محطة لكتابة التاريخ وصناعة المعرفة.

الصورة في وعودها السردية

بقلق القاص، يمسك أعضاء فريق “رؤيتي” بحقائب التصوير وهم يرتحلون بين الأماكن و البلدان بحثاً عن حكايا الناس، يخلعون السكون عن لحظة عابرة يخطفونها في مشهد التصوير بمثل ما يخلعون الأغطية عن عدساتهم، لا شيء يتماهى ولعبة التصوير إلا لعبة القص التي يعرفها صناع الوثائقي من الصور، والتي يتموضع المصورون الصحافيون على قمتها، هناك تقف الصورة تحديداً على تخوم السرد حيث شهوة الكاميرا مفتوحة على أقصاها لرواية كل شاردة من هذا الزمن العابر للزمن الذي يليه.
ينتخب الفريق موضوعاته كعادته من نصوص الأماكن التي يزورها، يعيد استنهاض المكان كجوهر في الممارسة الفوتوغرافية عبر الإتكاء على إشاراته في تأسيس فرادة الحكاية، مع مزيد من الانخراط في دهاليز الحياة اليومية، كما في تجربة أشرف الأحمد الذي دفعته المصادفة لأن يمضي يوماً في غرفة الطوارئ في منطقة كارجيل، ليحيل المصادفة المؤلمة إلى تجربة بصرية تذهب بنا إلى تفاصيل الألم الذي يكسو هذه الأماكن المحمولة على القلق، فالأسرة التي لا تعرف السهو في ترتيبها تفيض بالكثير من الصور لأناس لا يعرف بعضهم الآخر ربما، لكنهم يبحثون عن من يدلهم على مصادر أوجاعهم ويعالجها..هنا يفتش الأحمد في كل التفاصيل كراوٍ أمين، يسجل للذاكرة يوميات غرف الطوارئ كمكان يستيقظ فيه كل شيء.
مهدي العوى بدوره يوقفنا على واحدة من قصص الحب التي راقبها في قرية أوزبيشك في قرغيستان، ينصت فيها لجريان نهب الحب الذي لا ينضب على أعتاب الثمانينات، حيث الزوج يعود زوجته المريضة ويعينها على استعادة الحياة التي تميل إلى نهايتها، لحظات لا تحتاج من يبتكر لها المعاني، فهي دفاتر مفتوحة أمام عدسة تمجد الاحتفاء بالعواطف الإنسانية، وتأطيرها ضمن صياغة شريطية متشربة بروح السينما.
بهجة الألوان في الحقول تأخذ نديم آل صويمل ناحية الشمال الغربي من فيتنام حيث الطبيعة تتمدد كبحر أخضر طويل، ينادمها بحس غنائي وهو يدوزن هذه العلاقة الحميمية بين المزارعين والأرض، هناك فائض من حياة لا تكف الصور عن التذكير به، والتبشير باحتمالات الجمال الذي تكتنزه الصورة في لحظة عناقها بالمكان، في رومانسية منحازة لأحلام المصور وتشوفاته.
هذا التعالق مع جماليات اللون يصوغ فصول الحكاية في تجربة بدر المحروس الذي يشكف لنا عن يوميات عمال الفحم بالدمام وهم يجمعون هذا الأسود الداكن في تلك الأكياس الصفراء الفاقعة، يحصي عبر الصورة خطواتهم باتجاه التعب اليومي، في لعبة التكرار التي تصير أعمارهم قدرا مستتراً خلف أكوام الفحم، يأتي المحروس برغبة صريحة للإمساك بخيوط حكاية منسوجة من اللون والحركة، ومن يوميات كائنات لا تبالغ في أحلامها.
سيغيب هذا الزخرف اللوني عن تجربة هاشم الطويلب في راجستان، وهو يعرض لنا في قالب الأبيض والأسد يوميات الرعاة، يجردها من اللون ليصغي للتعابير وانسيالات الضوء الذي يصقل المعنى في تضاريس الصورة، ومضات متفرقة يهندس بها رؤيته لهؤلاء الناس ويعبر معها باتجاه التفاصيل المنسية من عالمهم، مراهناً كما باقي التجارب على الدهشة في الإنساني من التفاصيل، وبالمثل يصنع عبدالإله مطر في تعقبه لحياة البدو الرحل والرعاة في كشمير مشدداً على أحوال المكان الذي يمضي بعيداً في عزلته فوق الجبال، هنا تتسع زاوية النظر لتحقيق معنى المعايشة عبر الصورة من خلال الاستدعاء الكثيف للمكان وعلاقته بالناس، ليصبح المعنى رهن تآويل هذا المكان.
هكذا كانت كاميرا المجموعة تصقل معنى التصوير الوثائقي، وتصوغ لنا من شرفتها ألواناً من السرد البصري لحكايا بلا نهاية، لأن الصورة بدورها توقظ التفاصيل وتسافر في بحر من التآويل التي تحتمها المسافة ، ما بين زمن الصورة وزمن النظر إليها، وبين الشيء خارج الصورة وداخلها، وذاك حتماً من المساحات الجدلية التي تحرض المصور على التصعيد الدرامي والجمالي للممارسة الفوتوغرافية.
مرة ثانية تعاود المجموعة الاستثمار في هذا التوافق الجمالي بين أفرادها لتأخذنا في عوالم بصرية تنطوي على الكثير من الاشتغال الفني على البنية الحكائية للصورة، مراهنة على أفعال الكاميرا في تدشين سياقات جديدة كاشفة عن هذا التمازج بين ذات المصور وموضوعاته التي ينتخبها، لذلك تبقى “رؤيتي” العنوان الأقرب لروح المغامرات التي يجترحها هذا المعرض.

ملحوظة: صورة من المعرض بعدسة الجميل صالح حكروه